الخبر: : كلمة في تأبين نجوى عثمان
(الأقسام: أخبار الأعضاء)
أرسلت بواسطة admin
00:43:33- اللإثنين 25 اب 2008

ألقى الدكتور أحمد أديب شعار الكلمة التالية في مجلس عزاء الدكتورة المهندسة الشهيدة نجوى عثمان
بسم الله الرحمن الرحيم
 أيها الحضور الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
 يعتصر الحزن قلبي وأنا ألقي هذه الكلمة في وداع عالمة جليلة محبة للتراث العربي الإسلامي تتميز بالدقة في العمل والتوثيق. كما تتسم بالمواظبة والغيرة الشديدة على تراث هذه الأمة  المعماري واللامادي. عالمة قدمت الكثير لهذه الأمة، وخصوصاً لمدينة حلب، على شكل كتب ودراسات ومحاضرات. كما حاضرت في قسم الآثار-جامعة حلب، مشكلة ظاهرة يندر حدوثها. لقد وصل إعجاب طلابها بها إلى حد وصفها بأوصاف مثل: الدكتورة نجوى غير كل الدكاترة، إنها مثالية، وإنها موسوعة. كان من الممكن أن تقدم أكثر بكثير لو أن الله أمد في عمرها. ولكن هي إرادة الله.
 
تمثل الدكتورة نجوى ذلك القطاع الضيق من الدكاترة الذين حصلوا على شهادة الدكتوراة من سورية واستطاعوا أن يثبتوا أن مستواهم العلمي أفضل من مستوى زملائهم الذين حصلوا على تلك الشهادة من خارج القطر. لا بل استطاعوا أن يثبتوا في كثير من الحالات أنهم أفضل ممن أشرفوا عليهم.
  شاركت العام الماضي في حفل تكريمها وفرحت كثيراً بما لمسته من محبة واحترام عظيمين من جماهير المثقفين لها. كما حازت على إعجاب معظم من تعاملوا معها. بيد أنها تعرضت  إلى الكثير من المتاعب خلال الفترة التي عرفتها فيها خصوصاً خلال السنوات الأخيرة، كان معظمها بسبب استقامتها وبسبب غيرة بعضهم ممن يعمل وينجز.
 
عرفت الدكتورة نجوى منذ أكثر من خمسة عشر عاماً وكان أهم انطباعاتي عنها أنها تملك جميع مواصفات الباحث الحقيقي خصوصاً الدقة في العمل. كنا نلتقي في المناسبات الثقافية والعلمية. ومنذ حوالي ستة شهور قدمت لي قراءة نقدية أولية غنية لمشروع كتابي: صور وملامح من حلب التراث. شاءت إرادة الله أن نتهاتف ونلتقي عدة مرات خلال الأسبوعين الذين سبقا وفاتها. أقدم هنا سرداً مختصراً لما دار فيهما عله يعبر عن حالتها خلال السنوات الأخيرة من حياتها.
  اتصلت بي قبل أسبوعين وطلبت مني المساعدة لدى قيادة المنطقة الشمالية في الدخول إلى ثكنة هنانو وتوثيق النقائش في تلك الثكنة وكذا في جامع الشيخ يبرق المتواجد داخل الثكنة، حيث كانت متحمسة جداً لإنهاء مشروع (مشروعها) توثيق النقائش في حلب العثمانية. كان ردي أن هذا أمر سهل وعادي وسبق أن تم الحصول على الموافقة على زيارة جامع الشيخ يبرق عدة مرات من قبل جمعية العاديات. كان ردها بأنه إذا لم يتعاطف سيادة اللواء قائد المنطقة مع هذا الطلب فسيعود مع عدم الموافقة من دمشق. وأثناء تلك المهاتفة أخبرتني بألم عن الحالة السيئة جداً لمقبرة الجبيلة الغنية بالنقائش. كما أخبرتها عن وجود نقائش عثمانية على قبور أسرة الشيخ أبو الجدايل المتواجدة داخل دارهم في حارة المزوق، وكذا داخل إحدى الدور في الحارة التي تفصل بين المطبخ العجمي ومبنى مقسم خان الوزير. وبعد أن أنهيت حواري معها كلمتها صديقتها زوجتي داعية إياها للغذاء في منزلنا بيد أنها اعتذرت بسبب زحمة العمل. وفي اليوم التالي حصلت من الأستاذ نزار باقو في جمعية العاديات، على نسخة من طلب مرسل من جمعية العاديات إلى قيادة المنطقة الشمالية لزيارة جامع الشيخ يبرق، وذلك بهدف الاستنارة بصياغة الطلب.
 
مساء يوم  الأربعاء 4-2-2009 التقيت في جمعية العاديات الدكتورة نجوى في محاضرة للدكتورة المهندسة لمياء الجاسر والتي كانت حول كتابها الأخير: دور المتصوفة في مدينة حلب. وبعد أن أنهت الدكتورة المحاضرة محاضرتها قامت الدكتورة نجوى بتقديم تعقيب حول التسيّب والإهمال في التعامل مع الآثار في حلب. لاحظت للمرة الأولى أن الدكتورة نجوى محتقنة للغاية بسبب ذلك الإهمال وقد ذكرت مثالاً ألهب مشاعر الحضور عندما قالت أنه تم تدمير قبر الهروي وقبته في حلب ونقلت حجارته إلى أماكن بعيدة وكيف أنها لحقت بتلك لأحجار إلى أماكن رميها. وبعد المحاضرة أخبرتني أنها ذهبت إلى الدارين اللتين أخبرتها عنهما ولم تستطع الدخول.
 
مساء يوم  الخميس 5-2-2009 التقيت في نقابة المهندسين الدكتورة نجوى في محاضرة للدكتورة المهندسة المصرية سهير زكي حواس تحمل عنوان: المدلول التراثي للقيم المجتمعية تجسده المدن التاريخية: القاهرة نموذجاً. وبعد مضي حوالي ساعة على بدء المحاضرة عبرت الدكتورة نجوى عن استيائها من عدم تطابق عنوان المحاضرة مع محتواها، ومن إطالة المحاضرة في شرح أمور بسيطة وبديهية.
 
صباح يوم الأحد 8-2-2009 قابلت سيادة اللواء قائد المنطقة الشمالية ونقلت إليه طلب الدكتورة نجوى فوعد، بلطف شديد، بالموافقة بمجرد وصول الطلب إليه ونصحني ببعض النصائح الخاصة بطريقة كتابة الطلب مما يضمن عودته بالموافقة من دمشق. وفور خروجي من قيادة المنطقة اتصلت بها حيث تواعدنا مساءً في جمعية العاديات للتشارك على صياغة الطلب. حضرت الدكتورة نجوى مساءً برفقة باحثتين جزائريتين، رحمهما الله، حيث قمنا بصياغة الطلب الذي سيتم تقديمه لقيادة المنطقة الشمالية ثم دار حوار طويل بيننا حول عنوان مشروع ستعمل فيه الباحثة الجزائرية بهدف الحصول على شهادة الدكتوراة في مجال تجربة الحكومة والإدارة الإلكترونية في الدول العربية. تطور الحوار ليشمل منهجية البحث المقترحة. انتقل الحوار بعدها إلى استعراض النتائج التي حققتها حتى الآن في بحث مقارب لي: التصويت الإلكتروني باستخدام تقنية الـCDMA. اختتم الحوار بالحديث عن دور محركي البحث books.google و scholar.google في البحث عن المراجع الأكاديمية وفي تقييم البصمة الأكاديمية للباحثين. لم أدرك حينها أن هذا اللقاء سيكون آخر لقاء لي بهذه العالمة الفاضلة.
 
والآن وبعد وفاتها يمكنني القول أنها قد ارتاحت من أجواء الإحباط التي عايشتها في الأجواء العلمية والثقافية والتراثية، خلال السنوات الماضية. شكت كثيراً أواخر أيامها من أشخاص أساؤوا لها وأتمنى أن يتم محاسبتهم ردعاً لضعاف النفوس الذين اعتادوا على الدس وعلى محاربة كل مبدع ومتفوق. إنهم حقاً حزب أعداء النجاح.
 
أخاطب المرحومة قائلاً: يا أخت الرجال، يا أخت الكندي، ويا أخت الفارابي... لن نستسلم وسنكمل المشوار الذي كنا نسيره سوية. وأقول لأهلها: يحيي البطن والضهر اللي خلفوها، ياحيف عليها يطويها التراب.
  ستبقي الدكتورة نجوى العظيمة حية  في قلوب وعقول أهل حلب وسورية والعالم العربي، من خلال إنتاجها الغزير والمتقن. لا بل أقول أن رصيدها العلمي سيزداد عاماً بعد عام لدى جمهور المثقفين والغيورين على الوطن. أتمنى للمرحومة الرحمة من الله ولأسرتها وللأسرة العلمية والثقافية الصبر والسلوان. والسلام عليكم ورحمة الله.

الباب 12-2-2009                الدكتور المهندس أحمد أديب شعار



قام بإرسال الخبر موقع جمعية العاديّات
( http://www.adyatsyria.org/adyat/comment.php?comment.news.154 )